أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

312

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

« بِالرُّوحِ » يجوز أن يكون متعلقا بنفس الإنزال ، وأن يكون متعلقا بمحذوف على أنه حال من « الْمَلائِكَةَ » ، أي : ومعهم الروح . قوله : مِنْ أَمْرِهِ حال من الروح ، و « مِنْ » إما لبيان الجنس ، وإما للتبعيض . قوله : أَنْ أَنْذِرُوا في « أَنْ » ثلاثة أوجه : أحدها : أنها المفسرة ، لأن الوحي فيه ضرب من القول ، والإنزال بالروح عبارة عن الوحي . الثاني : أنها المخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الشأن محذوف ، تقديره : إنّ الشأن أقول لكم أنه لا إله إلّا أنا ، قال الزمخشري . الثالث : أنها المصدرية التي من شأنها نصب المضارع ، ووصلت بالأمر كقولهم : « كتبت إليه بأن قم » وقد مضى لنا بحث . فإن قلنا : إنّها المفسرة ، فلا محل لها ، وإن قلنا : إنّها المخففة أو الناصبة ، ففي محلها ثلاثة أوجه : أحدها : أنها مجرورة المحل بدلا من « الرّوح » لأن التوحيد روح تحيى به النفوس . الثاني : أنها في محل جر بإسقاط الخافض كما هو مذهب الخليل . والثالث : أنها في محل نصب على إسقاطه ، وهو مذهب سيبويه ، والأصل : بأن أنذروا ، فلما حذف الجار جرى الخلاف المشهور . قوله : أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا هو مفعول الإنذار ، والإنذار قد يكون بمعنى الإعلام ، يقال : نذرته وأنذرته بكذا ، أي : اعلموهم التوحيد . وقوله : « فَاتَّقُونِ » التفات إلى التكلم بعد الغيبة . قوله : . . . مِنْ نُطْفَةٍ . . . . متعلق ب « خَلَقَ » و « مِنْ » لابتداء الغاية ، والنّطفة : القطرة من الماء ، نطف رأسه ماء ، أي : قطر ، وقيل : هي الماء الصّافي ، ويعبّر بها عن ماء الرّجل ، ويكنى بها عن اللّؤلؤة ، ومنه : صبيّ منطّف ، إذا كان في أذنه لؤلؤة ، ويقال : ليلة نطوف إذا جاء فيها مطر ، والنّاطف : ما سال من المائعات ، نطف ينطف ، أي : سال ، فهو ناطف ، وفلان ينطف بسوء . قوله : فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ عطف هذه الجملة على ما قبلها ، فإن قيل : الفاء تدل على التعقيب ، ولا سيما وقد وجد معها إذا التي تقتضي المفاجأة ، وكونه خصيما مبنيا لم يعقب خلقه من نطفة ، إنما توسطت بينهما وسائط كثيرة ، فالجواب من وجهين : أحدهما : أنه من باب التعبير عن حال الشيء بما يؤول إليه ، كقوله تعالى : أَعْصِرُ خَمْراً « 1 » . والثاني : أنه أشار بذلك إلى سرعة نسيانهم مبدأ خلقهم ، وقيل : ثم وسائط محذوفة ، والذي يظهر أن قوله « خَلَقَ » عبارة عن إيجاده وترتيبه إلى أن يبلغ هاتين الصفتين . و « خَصِيمٌ » فعيل مثال مبالغة من خصم بمعنى اختصم ، ويجوز أن يكون بمعنى مخاصم كالخليط والجليس . قوله : وَالْأَنْعامَ خَلَقَها . . . العامة على النصب ، وفيه وجهان : أحدهما : أنه نصب على الاشتغال ، وهو أرجح من الرفع ، لتقدم جملة فعلية .

--> ( 1 ) سورة يوسف ( 36 ) .